محمد بن علي الشوكاني
402
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
الكتب مما لم أستحضره حال تحرير هذه الترجمة ، وكانت القراءات جميعها يجري فيها من المباحث الجارية على نمط الاجتهاد في الإصدار والإيراد ما تشدّ إليه الرحال ، وربما انجرّ البحث إلى تحرير رسائل مطوّلة ، ووقع من هذا كثير ، وكنت أحرّر ما يظهر لي في بعض المسائل وأعرض عليه فإن وافق ما لديه من اجتهاده في تلك المسألة قرّظه تارة بالنظم الفائق وتارة بالنثر الرائق وإن لم يوافق كتب عليه ثم أكتب على ما كتبه ، ثم كذلك فإن بعض المسائل التي وقعت فيها المباحثة حال القراءة اجتمع ما حرّرته وحرّره فيها إلى سبع رسائل . وكان رحمه اللّه متبحّرا في جميع المعارف العلمية على اختلاف أنواعها يعرف كلّ فنّ منها معرفة يظن من باحثه فيه أنه لا يحسن سواه ، والحاصل أنه من عجائب الزمن ومحاسن اليمن ، يرجع إليه أهل كلّ فنّ في فنهم الذي لا يحسنون سواه فيفيدهم ثم ينفرد عن الناس بفنون لا يعرفون أسماءها فضلا عن زيادة على ذلك ، وله في الأدب يد طولى فإنه ينظم القصيدة الفائقة في لحظة مختطفة بحيث لا يصدّق بذلك إلا من له به مزيد اختبار ، ومع هذا ففيه من لطف الطبع وحسن المحاضرة وجميل المذاكرة والبشاش ومزيد التواضع وكمال التودّد وملاحظة النادرة ما لا يمكن الإحاطة بوصفه ، ومجالسته هي نزهة الأذهان والعقول لما لديه من الأخبار التي تشنّف الأسماع ، والأشعار المهذّبة للطّباع والحكايات عن الأقطار البعيدة وأهلها وعجائبها بحيث يظنّ السامع أنه قد عرفها بالمشاهدة ولم يكن الأمر كذلك ، فإنه لم يعرف غير اليمن والحرمين ولكنه كان باهر الذكاء قويّ التصوّر كثير البحث عن الحقائق ، فاستفاد ذلك في أيام مجاورته في الحرمين لوفود أهل الأقطار البعيدة إلى هنالك ، وكنت أظنّ عند ابتداء اتصالي به أنه قد عرف بلاد مصر لكثرة حكاياته عن أهلها وعن عجائب وغرائب موجودة فيها في عصره لا فيما تقدّم ، فإنه لا يستنكر ذلك لأنه قد صنّف الناس في أخبارها مصنّفات يستفيد بها من أكبّ على مطالعتها ما يقرب من المشاهدة كالخطط والآثار للمقريزي وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسيوطي ، إنما الشأن فيما يحكيه صاحب الترجمة على ما جرت في عصره فإن ذلك هو الأمر العجيب الدالّ على اختصاصه بما لا يقوم به غيره :